اسرائيل بالعربية – اليهود في المغرب

حمد كنبيب: السلطان سيدي محمد بن يوسف بين التاريخ وذاكرة اليهود الجماعية

السلطان سيدي محمد بن يوسفSA MAJESTE SIDI MOHAMED

 

بين التاريخ وذاكرة اليهود الجماعية

 
 

محمد كنبيب

 

يشكل عهد المغفور له الملك محمد الخامس – السلطان سيدي محمد بن يوسف، قبل الاستقلال – مرحلة حاسمة في تاريخ المغرب المعاصر باعتبار ما شهدته الحقبة الممتدة من 1927 إلى 1961 من تحولات جوهرية مست بنيات البلاد التقليدية وغيرت مظاهر متعددة من مظاهر << المغرب العتيق >> حسب الاصطلاح الإثنوغرافي الأوربي الكلاسيكي.

وعلى مستوى التركيبة الإثنية – الدينية، كانت المجموعات اليهودية المغربية ضمن المكونات التقليدية المتجدرة في البلاد التي تعرضت لمسلسل التغيير وعانت من جراء ذلك إلى حد الاندثار، حيث تقلص عدد اليهود بشكل درامي في ظرف وجيز وانهار في نهاية المطاف من 250.000 نسمة سنة 1912 إلى أقل من 5.000 نسمة سنة 2005. وقد واكب الانهيار تغيير ملموس في مورفولوجية المدن والبوادي التي كان يقطن بها اليهود ويساهمون في أنشطتها الاقتصادية والتجارية وفي حياتها الاجتماعية والثقافية.

ومن البديهي أن هذه التحولات ناجمة عن معطيات وعوامل معقدة للغاية يتصدرها الوضع الكولونيالي الذي مر به المغرب والتقلبات التي شهدتها الساحة الدولية، وفي مقدمتها الحرب العالمية الثانية والحروب الإسرائيلية – العربية من الشرق الأوسط غداة الإعلان عن تأسيس دولة إسرائيل (1948) – وهي مواجهات ساهمت بشكل وافر ومباشر في رفع وثيرة هجرة اليهود المغاربة، مع العلم أن عوامل أخرى اقتصادية -اجتماعية أحدثت من جانبها قابلية لدى هؤلاء اليهود وحثتهم على الرحيل.

إلا أن مغادرة البلاد سواء في اتجاه إسرائيل، أو أوربا الغربية، أو كندا أو غيرها من أرجاء المعمور كانت لا تعني لدى هؤلاء المهاجرين التخلي عن تقاليدهم ولغتهم والشعور بالانتماء إلى المغرب والحنين له.

ويشكل التعلق بعرش البلاد وبشخص الملك الراحل محمد الخامس بالذات رافد أساسي ساهم بشكل قوي ولازال يساهم في إذكاء هذا الشعور وضمان استمراريته عبر الأجيال. وذلك في كل الأقطار التي يتواجد بها يهود مغاربة أو يهود منحدرين من أصول مغربية.

وقد برز التشبت بشخص الملك بشكل واضح وملموس، مثلا، في صفوف الشبان اليهود الذي هاجروا أو هجروا إلى إسرائيل منذ بداية وأواسط الخمسينات، عندما خرج بعضهم للتظاهر واستنكار ما ألت إليه أوضاعهم الاقتصادية – الاجتماعية. وهكذا رفع المتظاهرون في وادي صليب صور ملك المغرب وهتفوا بحياته في تحد للسلطات الإسرائيلية ولمواطنيهم << الاشكيناز >> ( القادمين من أوربا الوسطى والشرقية والمسيطرين على الوضع في إسرائيل ).

ولهذه المواقف وغيرها جذور تاريخية متعددة تتصدرها بصفة عامة نوعية التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب عبر العصور، وبالنسبة للفترة المعاصرة المواقف التي اتخذها السلطان سيدي محمد بن يوسف لضمان هذا التعايش في ظروف داخلية وخارجية صعبة للغاية. لاسيما بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وإقدام الإقامة العامة على إدخال قوانين فيشي للمغرب ومحاولة تطبيقها على اليهود المغاربة فيما بين 1940-1942.

واجه بالفعل سيدي محمد بن يوسف أوضاعا عسيرة ومخاطر كانت تهدد أركان ومظاهر التعايش بين رعاياه المسلمين واليهود، وتضرب في الصميم حتى الأسس القانونية الذي كان يقوم عليه الولاء الذي كان يربط اليهود بعاهل البلاد.

صادفت فعلا بداية عهد سيدي محمد بن يوسف (1927) احتدام المساعي التي كانت تقوم بها النخب اليهودية المتشبعة بالثقافة الفرنسية للحصول على الجنسية الفرنسية والإفلات من القيود المفروضة على <<الأهالي>> (بالمعنى القدحي للكلمة في الوسط الكولونيالي). وقد كانت بعض الأوساط اليهودية ذات النفوذ في الميتروبول تتدخل لدى وزارة الخارجية بباريس وتنظم حملات صحفية لحث الحكومة على الاستجابة لهذه المطالب وتحقيق <<أحلام >> عناصر نشيطة من شأنها الإسهام بنجاعة في تقوية التواجد الفرنسي بالمغرب ،على غرار ما قام به يهود الجزائر لفائدة فرنسا في أعقاب فرنستهم بشكل جماعي بمقتضى مرسوم كريميو (1870).

إلا أن الإقامة العامة ألحت على معارضة السلطان المحتملة لكل إجراء من شأنه المس بولاء رعاياه تجاهه، لاسيما وأن معاهدة الحماية (30مارس 1912) نصت صراحة على التزام فرنسا باحترام الوضع السياسي القائم ،بما في ذلك الوضع القانوني للرعايا المغاربة بصرف النظر عن انتمائهم الديني. وذلك ما سبق أن نصت عليه أيضا معاهدة مدريد (1880).وهي المعاهدة الدولية التي تضمنت بندا أساسيا حدد فيما بعد ركنا جوهريا قامت عليه الجنسية المغربية: الولاء الدائم لعاهل البلاد.

غير أن النخب << الاندماجية >> حاولت تجاهل القيود القانونية وتشبثت بمطالبها معتمدة في تحركاتها على مسيري الرابطة الإسرائيلية بباريس وبعض الشخصيات البرلمانية المتعاطفة مع أمانيها. واستمرت على هذا النهج إلى حدود نشوب الحرب العالمية الثانية مرددة بإلحاح في حملاتها الصحفية مدى تعاطفها مع << الوطن بالتبني >> (فرنسا) وعمق الانسلاخ الثقافي والمعنوي الذي يفصلها عن عامة << الأهالي >> ومن ضمنهم سواد الملاحات التي كانت تتخبط في البؤس والجهل.

وهذا بالذات ما حاول التصدي له رواد الحركة الوطنية ومؤسسو كثلة العمل الوطني ملحين في هذا الشأن على صدارة العرش بالنسبة للرعايا المغاربة، مسلمين ويهود، وضرورة الالتفاف حول سيدي محمد بن يوسف والعمل من أجل تحسين أوضاع الشعب المغربي بمختلف مكوناته الإثنية- الدينية واللغوية وانتزاع حقوقه الأساسية.

وانطلاقا من هذه القناعات والخيارات، خاطب الوطنيون المسلمون المثقفين اليهود بغية إقناعهم بالعدول عن المطالبة بالجنسية الفرنسية أو الإسبانية والانضمام إلى صوفهم لخوض نضال مشترك لوضع حد للإدارة المباشرة، وحث الإقامة العامة على تحسين الظروف المعاشية في البلاد. وقد كتب أحد الوطنيين، محمد الخلطي، في جريدة << عمل الشعب >> عدة مقالات للتذكير بمغربية مواطنيه اليهود وبأن << المغرب للمغاربة، أي المسلمين واليهود >> على حد تعبيره، داعيا إياهم إلى المشاركة الفعالة في << الدفاع عن الوطن والعمل التصحيحي الذي ينتظره المغرب من كل أبنائه >>.

وبالإضافة لاحتدام المطالب الاندماجية والطعن في الأسس القانونية والشرعية التي كان يقوم عليها ولاء اليهود المغاربة بصفتهم رعايا سلطان المغرب، شأنهم شأن المسلمين في هذا الباب، فقد صادفت أيضا بداية عهد سيدي محمد بن يوسف انتقال الحركة الصهيونية إلى مرحلة جديدة في تقوية نشاطها بالمغرب بفضل << تسامح >> المقيم العام تيودورستيغ وتخليه عن إرث الجنرال ليوطي فيما يخص الانشقاقات والاضطرابات التي يمكن أن يحدثها الصهاينة بالمغرب.

 

وخلال هذه الحقبة، تزايد اهتمام الوطنيين المغاربة بالقضية الفلسطينية، لاسيما بعد اندلاع أحداث << حائط البراق >> (حائط المبكى) وماواكبها من مواجهات عنيفة بين المسلمين واليهود في القدس (غشت 1929). وقد عبر الوطنيون عن تضامنهم مع عرب فلسطين وحاولوا إرسال عريضة إلى وزارة الخارجية البريطانية بلندن للتعبير عن استنكارهم لسياسة انجلترا بصفتها قوة الانتداب المكلفة بإدارة فلسطين باسم عصبة الأمم.

ورغم إدراكها لمعارضة سيدي محمد بن يوسف للمشروع الصهيوني، فإن سلطات الحماية الفرنسية استجابت لضغوط وتدخلات الميتروبول لفائدة الصهاينة. وغضت الطرف عن تحركاتهم بالمغرب مركزة كل جهودها لعرقلة أنشطة كثلة العمل الوطني وإفشال مساعي مؤسسيها ومناضليها.

ووعيا منهم بمخاطر الصهيونية في وقت قدمت فيه الإقامة العامة على إصدار ظهير 16 ماي 1930 الخاص بالقضاء في المناطق الناطقة بالأمازيغية، حاول الوطنيون إبراز طابع الصهيونية بالنسبة لليهود المغاربة وعدم تطابق فكرها وبرنامجها ومراميها مع تاريخهم وحاجياتهم وطموحاتهم.

وعلى غرار النداءات الموجهة للاندماجيين فقد خاطب الوطنيون الصهاينة أيضا. وجاء في النداءات الموجهة لهم والمنشورة على أعمدة << عمل الشعب >> و << إرادة الشعب >>:

<< أيها الرفاق اليهود… اعلموا بكيفية لا رجعة فيها بأن لكم وطنا، ليس هو الأرض الموعودة (فلسطين) بل الوطن الذي تعيشون فيه… لقد عرفت هذه البلاد ميلادكم، ومنحتكم القوت وتنفستم هواءها وعشتم تحت سمائها الرائعة … ودفنت فيها رفات أجدادكم… إنكم أبناء هذه الأرض المعطاء >>.

لم تستجب النخب اليهودية، إلا نادرا، لهذه النداءات. إذ واصل الاندماجيون المطالبة بالجنسية الفرنسية رغم ما كان يصيبهم من إحباط بين الفينة والأخرى. في حين ارتاح الصهاينة لما حققوه من مكاسب بفضل تواطؤ الإقامة العامة وظروف دولية أعطت دفعة قوية لإديولوجيتهم وبرنامجهم << الفلسطيني>>. حيث استفادت حركتهم من ردود الفعل المترتبة عن وصول الحزب النازي إلى الحكم بألمانيا (1933) ومن تعيين الزعيم الاشتراكي ليون بلوم على رأس الحكومة التي تشكلت بعد فوز الجبهة الشعبية بالانتخابات البرلمانية في فرنسا (1936) وقد كان بلوم متعاطفا مع الصهيونية ومن أقوى مناصريها.

وبالرغم من تضارب مواقفهم وأهدافهم، فإن الاندماجيين والنشطاء الصهاينة نهجوا أساليب متشابهة في المواقف المتخذة تجاه الوطنيين ومواطنهم المسلمين، وتفادوا كل ما من شأنه قطع الصلة بصفة نهائية معهم. ولذلك كانوا ينتهزون كل الفرص المواتية للتعبير عن ولائهم لعاهل البلاد وتقديرهم لشخص السلطان سيدي محمد بن يوسف.

وكان من الطبيعي أن يتقوى هذا النهج بعد نشوب الحرب العالمية الثانية وإقدام << الدولة الفرنسية>> بزعامة المارشال بيتان على الاهتداء بالنظام النازي وسن قوانين عنصرية مناهضة لليهود تقضي بطردهم من الوظائف العمومية والتضييق عليهم في كل المجالات و << أرينة >> ممتلكاتهم. وبما أن الإقامة العامة بالرباط كانت موالية لنظام فيشي وخاضعة لأوامره، فقد مر اليهود المغاربة، وفي مقدمتهم الأثرياء والنخب المثقفة الاندماجية منها والصهيونية، بظروف عسيرة لم تترك أمامهم من حل سوى التشبث بمغربيتهم والإعلان عن ولائهم لسيدي محمد بن يوسف بصفته عاهل بلاد محافظة على شخصيتها السياسية وعلى مؤسساتها التقليدية في إطار << حماية >> فرنسية لا تتعدى صلاحياتها << المراقبة >> وإدخال إصلاحات تقنية، وبصفته أيضا أمير المؤمنين تقع على عاتقه مسؤولية الدفاع على حقوق رعاياه المسلمين واليهود.

وهكذا قام أعيان اليهود بمساعي متعددة للاستنجاد بمقتضيات الشريعة الإسلامية ومطالبة السلطان بعدم تبني الظهير الذي أعدته الإقامة العامة على أساس القانون الفرنسي الصادر بتاريخ 3 يونيو 1941 وأكدوا بهذا الصدد << أن صاحب الجلالة الشريفة سوف يخرق القوانين الشرعية إذا صادقت بواسطة ظهير على إجراءات منافية لروح النص القرآني ولفظه… (إن القوانين الشرعية) تبيح لأهل الذمة من النصارى واليهود العيش في دار الاسلام، وممارسة كل الحرف والصنائع غير الشرعية شريطة دفعهم الجزية واحترام الدين الإسلامي>>.

ونظرا لتمسك سيدي محمد بن يوسف بصلاحياته كأمير للمؤمنين وبخطة أسلافه تجاه أهل الذمة من رعاياه من جهة، ولتوسط كبار القواد والباشوات لفائدة هؤلاء من جهة ثانية. وباعتبار أيضا تخمينات السلطان حول مجرى الحرب على أساس اتصالاته مع مبعوثين أمريكيين كان بعضهم يقيم بالمغرب في إطار الاتفاق الفرنسي – الأمريكي "فيكان – مورفي" ويجمع المعلومات ذات الطابع السياسي والإستراتيجي بهدف الإعداد لإنزال قوات الحلفاء على السواحل المغربية، فقد تقوى موقف السلطان الرافض لتطبيق قوانين فيشي العنصرية.

وانطلاقا من كل هذه الإعتبارات الدينية-السياسية والدبلوماسية، أبدى سيدي محمد بشكل صريح تعاطفه مع رعاياه اليهود، واستقبل بعض أعيانهم في رحاب القصر خاصة خلال ماي ويونيو وغشت 1942 وأكد لهم بهذه المناسبة حق التمتع بحمايته مشددا على المساواة في التعامل التي يجب أن توفر لهم إسوة بمواطنيهم المسلمين.

وقد وصل صدى هاته الاستقبالات وتصريحات السلطان إلى يهود فرنسا، حيث أشارت تقارير الاستعلامات التابعة لحكومة فيشي بأنه << يسود الإدعاء داخل الأوساط اليهودية في المنطقة الحرة بفرنسا بأن سلطان المغرب رفض تطبيق القوانين الفرنسية المناهضة لليهود >> وبأن يهود فرنسا يصرحون علنا بأنه << على حكومة فرنسا أن تطلب من سلطان المغرب أن يقدم لها دروسا في التسامح>>.

اضطرت الإقامة العامة، بسبب موقف السلطان ولا شعبية الإجراءات المناهضة لليهود، إلى التخفيض من وثيرة تطبيق قوانين فيشي. وهكذا استمرت مدارس الرابطة الإسرائيلية في العمل بشكل عادي، الأمر الذي سمح للمعلمين و الأساتذة اليهود المطرودين من المؤسسات الفرنسية بالالتحاق بها ومزاولة عملهم. أما الإجراءات الخاصة بطرد اليهود من الأحياء الأوربية، فقد اقتصرت على العائلات التي حازت منازل في هذه الأحياء بعد شتنبر 1939. كما لم تطبق إجراءات التصريح بالممتلكات المنصوص عليها في ظهير 5 غشت 1941 إلا على الممتلكات التي تتجاوز قيمتها 5000 فرنك، أما الأثاث والحلي والأغراض الشخصية فقد استثنيت من ذلك. وقد تعزز النهج الذي بادر به السلطان بالدعم الذي وفره بعض المسلمين ليهود يرغبون في تحصين أنفسهم ضد إجراءات الحجر والمصادرة.

وقد واصل سيدي محمد بن يوسف مجهوداته لضمان الاستقرار في أعقاب إنزال القوات الأمريكية بالسواحل المغربية لضمان الاستقرار في أعقاب إنزال القوات الأمريكية بالسواحل المغربية (نونبر 1942) وظهور غليان شديد في بعض الأوساط اليهودية، حيث اعتبر بعض اليهود أنه أصبح في إمكانهم ارتكاب تجاوزات والاحتماء بالأمريكيين.

لذلك كلف السلطان الصدر الأعظم محمد المقري والحاجب محمد المعمري بربط اتصالات سرية بالأمريكيين (23 يناير 1943) لمعرفة موقفهم تجاه تطلعات المغاربة الوطنية وتذكيرهم بوضعية اليهود التقليدية وبالتدابير التي مكنتهم من الإفلات من قوانين فيشي العنصرية. وألح فعلا المقري والمعمري على أن << اليهود لا يحتلون الصفوف الأمامية في المغرب ( وأنهم كانوا دائما) ثانويين عددا ونفوذا . . . وكان المسلمون يعاملونهم معاملة حسنة، ولما حلت لجنة الهدنة الألمانية بالمغرب، ألح أعضاؤها أول الأمر على ضرورة معاملتهم طبقا لما تقتضيه الإيديولوجية النازية، فرفض السلطان الاستجابة لذلك بقوة مؤكدا بأن علاقات اليهود بالمسلمين تنبني على قرون طويلة من التعايش، وأن المسلمين محتاجون إلى اليهود، كما أن اليهود محتاجون إلى المسلمين ولا توجد مشكلة يهودية في المغرب، ولن تكون في المستقبل إذا بقي هذا الموضوع كما هو الآن . . . وقد ظن بعض اليهود أن مجيء الجيوش الأمريكية يعني أنه بإمكانهم احتلال مراكز قوة ونفوذ بالنسبة للمسلمين، وهذا ما لا يجب ألا يقع>>.

وبصرف النظر عن طيش بعض العناصر وتهورها، فقد فتح الإنزال الأمريكي باب المغرب على مصراعيه أمام المنظمات اليهودية الأمريكية، وأذكى اهتمامها بيهود المغرب وبوزنهم الديموغرافي في أفق بناء دولة يهودية في فلسطين. وقد ركزت الوفود التي قدمت إلى الولايات المتحدة في نونبر 1944 لحضور مؤتمر أطلنتيك سيتي اهتمامها على ساكنة الملاحات المغربية بصفتها خزانا بشريا يمكن الاعتماد عليه لتوفير نسبة هامة من اليد العاملة اللازمة لبناء الدولة اليهودية. وانطلاقا من هاته الاعتبارات تدخلت المنظمات اليهودية الأمريكية بثقلها الهائل للتمهيد لخطة التهجير في وقت لاحق.

وفي الأوساط اليهودية المغربية وبحكم الظروف الاقتصادية-الاجتماعية القاسية التي كانت فيها البلاد فيما بين 1944 و 1945 وقع شبه إجماع لدى الأعيان بمختلف أصنافهم حول ضرورة الاستفادة من مساعدة المنظمات اليهودية الأمريكية لإشباع حاجيات سكان الملاحات والتخفيف من معاناتهم اليومية، خصوصا منها سواد العاطلين وصغار الحرفيين والبقالين والباعة المتجولين، والعناصر الأخرى التي كانت تواجه سوء التغذية وتفشي الأمراض المعدية وشتى أنواع البؤس والحرمان.

وبما أن الظرفية كانت تبدو مواتية، حاول النشطاء الصهاينة انتهاز الفرصة لتحقيق قفزة نوعية كبرى: مطالبة الإقامة العامة بالاعتراف الرسمي بحركتهم.

لم تصطدم هاته المحاولات عمليا إلا بمقاومة السلطان، خصوصا غداة موجة القمع التي أعقبت تقديم عريضة الاستقلال (11 يناير 1944) وما تلاها من مظاهرات واعتقالات. وبالفعل، عشية انعقاد المؤتمر اليهودي العالمي بأطلنتيك سيتي، استغل سيدي محمد بن يوسف فرصة عيد العرش (18 نونبر 1944) ليذكر اليهود المغاربة بواجباتهم باعتبارهم رعاياه تنطبق عليهم واجبات وحقوق غيرهم من الرعايا المغاربة.

وفي سياق حديثه حول موقف السلطان أشار تقرير للإقامة العامة موجه لوزارة الخارجية الفرنسية (20 نونبر 1944) على أن السلطان لم يلتزم بالعرف الجاري به العمل في مثل هذه المناسبات حيث لم يكتف بمرور الوفد اليهودي أمامه كالعادة بل: <<طلب ( في هذه السنة) من الوفد الاقتراب من السلطان الذي نهض من مجلسه واقترب منهم وعبر عن ارتياحه لاستقبالهم، وصرح لهم قائلا : إنكم رعايانا الأوفياء، مثلكم مثل المسلمين . . . إنني أحميكم وأحبكم . . . لقد كان المسلمون ولا يزالون إخوة وأصدقاء لكم، اسألوا شيوخكم والمسنين منكم، فستعرفون بأن جدنا المنعم مولاي الحسن كان صديقا حقيقيا لليهود، وأفصح في مناسبات عدة عن اهتمام واضح وعناية بهم. وقد عرفه أجدادكم بهذه الصفة وأحبوه بصدق. ويمكنني أن أؤكد لكم من جانبي بأنني أعمل على الحفاظ إزاءكم وإزاء إخوانكم في الدين على نفس التقدير . . . ونفس الاهتمام. فهذا العيد هو كذلك عيدكم>>.

وصار السلطان على نفس النهج غداة الحرب العامية الثانية وبداية تسارع الأحداث في الشرق الأوسط وارتفاع وثيرة الإجراءات التي كانت تتخذها المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية، لتجسيد مشروع الدولة اليهودية على أرض الواقع بتزكية الدول العظمى والأمم المتحدة. وأمام هاته التطورات وردود الفعل التي كان يخلفها خطر <<اغتصاب فلسطين>> لدى المسلمين، كان سيدي محمد بن يوسف يبدل قصارى جهوده لتفادي نشوب اضطرابات في المغرب، لا سيما وأن الظرفية السياسية كانت تمتاز بدرجة عالية من الحساسية بسبب المناورات التي كانت تقوم بها الإقامة العامة للوقوف في وجه المطالب الاستقلالية، وتمرير المشروع المتمحور حول فكرة <<السيادة المشتركة>>. وبما أن القضية المغربية أصبحت تطرح على الصعيد الدولي وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد كان السلطان يعتبر أن من شأن الاضطرابات ونشوب مواجهات عنيفة بين رعاياه المسلمين واليهود أن يؤدي إلى فقدان المغرب للاحترام لدى الرأي العام الغربي بصفة عامة والأمريكي بوجه خاص.

وقد دفعت هذه الاعتبارات بالسلطان إلى استقبال شخصيات مسلمة ويهودية بالقصر الملكي ودعوة الجميع علانية إلى <<الاستمرار في النهج الذي سار عليه أسلافهم، بالعمل يدا في يد>>، مؤكدا من جديد على أنه << لايقيم أي تمييز بين رعاياه الأوفياء >> (1947).

وبعد نشوب الحرب الاسرائلية – العربية الأولى غداة الإعلان عن تأسيس دولة إسرائيل، تمثل رد فعل المسلمين المغاربة تجاه الأحداث في إقامة الصلوات في المساجد <<من أجل خلاص فلسطين العربية وانتصار الاسلام>>. وجمع التبرعات لفائدة المجاهدين وتشجيع ذهاب المتطوعين << للتضحية في ساحة الشرف>>. خصوصا وأن شائعات كانت تشير إلى <<وجود أبطال مغاربة في ساحة المعركة تحت قيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي>>، والدعوة إلى مقاطعة التجار اليهود في المدن والبوادي. أما اليهود المغاربة، فضاعفوا أيضا من صلواتهم داخل بيعهم، ومن جمع التبرعات، ومحاولة الهجرة سرا صوب فلسطين.

ولتفادي الاصطدامات والحد من تأثير الشائعات والاتهامات المتبادلة بين المسلمين واليهود، أمر سيدي محمد بن يوسف بنشر بيان (23 ماي 1948) دعا من خلاله رعاياه للهدوء:

<<إننا بما خولنا الله جلت قدرته وتعالى شأنه من النظر في أمركم السهر على مصالحكم نوجه إليكم هذا البلاغ لتعملوا به وتقفوا عند حده . . . منذ بضعة أيام اشتعلت نار الحرب في أرض فلسطين المقدسة بعد أن يئس العرب من إقناع الصهيونيين بالعدول عن فكرة الاستيلاء على تلك البلاد وإخراج أهلها منها . . . ونحن إذ نعلن اتفاقنا التام فكرا وقلبا مع ملوك العرب ورؤساء دولهم الأماجد كما اشعرناهم بذلك، نؤيد ما صرحوا به من أن العرب لا يظهرون لليهود سوءا ولا ينوون بهم عداء، وإنما غايتهم الدفاع عن القبلة الأولى للإسلام وتثبيت السلم والعدل في الأراضي المقدسة مع بقاء اليهود على حالتهم المعهودة منذ الفتح الإسلامي>>.

وأضاف السلطان مخاطبا رعاياه:<< لهذا نأمر رعايانا المسلمين أن لا يحملهم ما قام به اليهود ضد إخوانهم العرب بفلسطين على القيام بأي عمل يخل بالنظام، أو يؤدي إلى تعكير صفو الأمن والسكينة. ويجب عليهم أن يعرفوا أن اليهود المغاربة الذين استوطنوا هذه البلاد منذ قرون تحت الذمة فوجدوا فيها أحسن مثوى، وأخلصوا كل الإخلاص للعرش المغربي هم غير اليهود المتشردين الذين قصدوا فلسطين من مختلف أنحاء المعمور، وأرادوا أن يستولوا عليها ظلما وعدوانا. نأمر رعايانا اليهود أن لا ينسوا أنهم مغاربة تشملهم رعايتنا وقد وجدوا لدينا في مختلف الظروف أحسن مدافع عن مصالحهم وموف بحقوقهم، فيجب عليهم أن لا يقوموا بأي عمل فيه تأييد للصهيونيين المعتدين أو تضامن معهم لما في ذلك من المساس بحقوقهم الخاصة وبالجنسية المغربية. ونحن على يقين من أنكم أيها المغاربة أجمعون ستلبون نداءنا وتكونون عند حسن ظننا بكم حتى يظل الأمن العام محفوظا والسلام سائدا لهذا الوطن العزيز>>.

لقد ساهم هذا النداء وتقاليد التعايش بين المسلمين واليهود في التخفيف من حدة التوثر <<الطائفي>> الذي أعقب اندلاع الحرب الإسرائيلية – العربية الأولى. فبالرغم من هشاشة الوضع والغموض الذي كان يلف موقف الإقامة العامة والمناورات الاستفزازية التي بادر بها أعوان صهاينة بهدف إحداث اصطدامات من شأنها حث اليهود على الهجرة بأعداد وافرة إلى فلسطين، ساد الهدوء في مختلف أنحاء البلاد ولم تقع أعمال عنف إلا بمدينة وجدة وجرادة وذلك لأسباب غامضة لم تفصح عنها بعد المصادر الرسمية. وربما يرجع هذا <<الغموض>> و <<صمت>> الأرشيف إلى تورط السلطات الجهوية الفرنسية فيما وقع وسكوتهم على تحركات الصهاينة في منطقة كانت لها خصوصياتها << السياسية>> خلال المرحلة التي مر بها المغرب غداة << خطاب طنجة >>.

وبالفعل كانت تكمن خصوصيات المنطقة أثناء تلك الظرفية الحرجة في تأثر أعداد وافرة من عمال مناجم الفحم بجرادة بالمطالب الاستقلالية واستعدادهم لشن الإضرابات بهدف الدفاع عن مصالحهم المهنية ودعم الأحزاب الوطنية. فكان لابد من وجهة نظر الإقامة، انتظار الفرصة لتوجيه ضربة قاسية للحركة العمالية للمنطقة وتكسير تضامنها مع الأحزاب، بل وتسريح أكبر عدد ممكن من العمال وإرغامهم على الرجوع إلى قبائلهم الأصلية من مختلف أنحاء البلاد (ولاسيما في الجنوب).

كما كانت تتجلى هذه الخصوصيات، من جهة ثانية، في وضعية وجدة بصفتها مدينة عبور كان يستعملها المهاجرون اليهود لمغادرة البلاد سرا والتوجه إلى فلسطين عبر الجزائر ومرسيليا. وكانت السلطات الفرنسية تغض الطرف رغم علمها بمعارضة السلطان الشديدة لهذه الهجرة وإطلاعها على تحركات العملاء الصهاينة ورجال المخابرات التابعين للوكالة اليهودية وما كانوا يقدمون عليه لإحداث الفتنة وحث اليهود على الهجرة عبر << الجسر >> المتمثل في وجدة.

وفي بداية الخمسينيات ارتفع عدد المهاجرين بشكل ملموس، لا سيما خلال المرحلة التي أعقبت إبعاد السلطان سيدي محمد بن يوسف ونفيه إلى مدغشقر، وما واكب ذلك من اضطرابات في قرى ومدن المغرب (1953 – 1955 ). وكانت الدعاية الاستعمارية تعمل على تخويف اليهود وتنشر البلبلة في صفوفهم، وتحاول إقناعهم بأن استقلال المغرب يعني إخضاعهم للاضطهاد وتحت رحمة المسلمين. غير أن ذلك لم يمنع بعض اليهود من الانخراط في الأحزاب الوطنية والمشاركة في الكفاح من أجل عودة عاهل البلاد وإنهاء عهد الحماية.

وبعد رجوعه من المنفى عمل سيدي محمد بن يوسف على استقبال وفود تمثل المجموعات اليهودية وطمأنتها على مصيرها وحثها على المشاركة الفعالة في بناء مغرب مستقل. وكانت مواقف السلطان مطابقة لما سبق له الإعلان عنه في مناسبات عديدة، سواء عند استقباله لرعايا يهود أو عندما كان يجيب عن بعض التدخلات الأجنبية، ومن ضمنها تدخل لروني كاسان، رئيس الرابطة الإسرائيلية العالمية (باريس) وممثل فرنسا لدى اللجنة الدولية لحقوق الإنسان.

وجوابا على رسالة طلب فيها روني كاسان من السلطان منح يهود المغرب حريات عامة قائمة على مبادئ ميثاق حقوق الإنسان الذي أعلنته منظمة الأمم المتحدة (1948) أكد سيدي محمد، بأسلوب لا يخلو من دلالة، بأن <<جلالته يتمنى أن يتم تعميم ممارسة هذه الحريات كي تشمل كافة رعاياه بلا استثناء أو تمييز… وأن الظروف المؤلمة التي يتخبط فيها جزء من الساكنة اليهودية.. ظروف تشمل كذلك عددا لا يستهان به من مواطنيهم المسلمين>>.

وتأتي قناعة سيدي محمد بضرورة إشراك العنصر اليهودي في بناء المغرب المستقل، وكذا تضامن السلطان مع عرب المشرق في مقدمة الاعتبارات التي دفعت به إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع، أو على الأقل، عرقلة هجرة اليهود المغاربة في اتجاه فلسطين.

وكيفما كانت الاعتبارات التي قامت عليها خيارات سيدي محمد بن يوسف فإنها لم تؤثر على صورته في ذاكرة اليهودية الجماعية. حيث احتفظت هذه الذاكرة بشكل قوي بمواقفه الشجاعة خلال الحرب العالمية الأولى وما أقدم عليه لتفادي تطبيق مقتضيات قوانين فيشى على اليهود المغاربة في وقت كان فيه إخوانهم في الدين يعانون من الإبادة في الأقطار التي احتلتها الجيوش الألمانية في أوربا، وكان فيه يهود المستعمرة الجزائرية معرضون لكل الأخطار بعد إلغاء مرسوم كريميو وإخضاعهم من جديد لوضع مماثل لوضع الأهالي، وكان فيه أيضا يهود تونس يقاسون الويلات بعد اكتساح القوات الألمانية والايطالية للتراب التونسي.

إن اعتراف اليهود المغاربة بالجميل وبالوضع المتميز الذي تمكنوا بفضله الإفلات من قبضة نظام فيشي وتفادي السقوط بين أيادي نازية، جعلهم يقدرون كل تقدير مواقف سيدي محمد بن يوسف وينعتونه بالملك << العادل>> والحليم.

הירשם לבלוג באמצעות המייל

הזן את כתובת המייל שלך כדי להירשם לאתר ולקבל הודעות על פוסטים חדשים במייל.

הצטרפו ל 159 מנויים נוספים

רשימת הנושאים באתר