مقالات باللغة العربية إدريس الهراس

إدريس الهراس

أولا مما ورد في مقدمة كتاب " دراســات في تـاريخ يهـودآسـفيللأستاذ الباحث (كريدية إبراهيم) : من أبرز دواعي إقدامي على كشف هذه الوقائع والأحداث المتفرقة التي تخص تاريخ يهود آسفي ، هو إحساسي الراسخ والصادق العميق، وإيماني المكين الثابت ،מרוקו מפה

بأن من أكتب عنهم هم مغاربة قلبا وقالبا، وليسوا دخلاء عارضين كما يتوهم البعض، فهم يضربون بجذور وجودهم عميقا في أرض المغرب وتاريخه السحيق وثقافته وتراثه، كانوا دوما و أبدا مكونا من مكونات المجتمع المغربي وكيانه وحضارته، ولا يمكن بأي حال إقصاؤهم عن المسار التاريخي لهذا البلد ، بكل نقلاته ومنعطفاته وتعرجاته، وأنهم كانوا وما زالوا حتى اليوم، سواء تواجدوا بوطنهم المغرب أو بأرض المهجر، فخورين بمغربيتهم ، متمسكين بجانب كبير من العادات المغربية الأصيلة، في الملبس والأكل وفي الأعياد والمناسبات العائلية، وما زالوا جميعهم حريصين على تقديم  فروض الطاعة والولاء لعاهل المغرب في مناسبات معلومة، وما تزال بيعهم تصدح له بأخلص الدعوات ورفيع الابتهالات بالمغرب والمهجر على السواء، ولا يخفى ذلك على كل مبصر لبيب،كما يعاينه كل متغافل مريض،  وقديما قالت العرب "ليس بعد العيان بيان ".

ويؤكد البحث التاريخي والاجتماعي أن المغاربة اليهود كانوا دوما مرتبطين بإخوانهم المغاربة المسلمين، بعلاقات تتسم بالتداخل والتكامل والتعاون والتعاضد، وكانت "لهم مكانة خاصة في المجتمع والدولة والثقافة، وفي عموم حضارة المغرب، ربما يكاد يكون فريدا من نوعه بالمقارنة مع حال الجماعات اليهودية التي كانت في أرجاء أخرى من العالم ."(1)

وعبر العصور والدول لم يدخر المغاربة اليهود الجهود في سبيل ترقية علاقات المغرب بالخارج ، والنهوض بأحوال تجارته وصنائعه وفنونه،  ومد خزائنه بالمال الوفير من الفروض والأعشار، فكان منهم الوزير والمستشار والقنصل والمفاوض الدبلوماسي والمفكر والفيلسوف والطبيب والحيسوب والتاجر والصانع والفنان والعامل البسيط ، فقد كانوا دائما "عضوا نافعا، بل ولابد منه، بحيث أن استئصاله القريب العهد، ترك الإحساس إلى يومنا، بحدوث بتر في هذا الكيان الكلي"(2).

ورغم ما لحق العلاقات بين اليهود و المسلمين المغاربة من برود وإفساد وحتى عداء متبادل، كان سببه الجوهري مكائد الأجنبي والاستعمار والتسرب الصهيوني ، فإن غالبية اليهود المغاربة ظلت وفية للدولة المغربية ، مخلصة تمام الإخلاص للعرش(3)، ورغم مـا أصاب عدد يهود المغرب من تراجع وضمور، بفعل إغراءات الهـجـرة الخارجية فإنهم وبما تبقى منهم على قلته، "يمثلون أهم مجموعة يهودية في العالم العربي"(4)، ناهيك عن أعداد كبيرة منهم ما تزال تحج كل سنة إلى وطنها المغرب، من مهاجرها المختلفة وحتى القصية منها، لزيارة ذويها، أو بدافع الحنين إلى أوطانها الأصلية من ربوع المغرب المديد، أو لزيارة مشاهير الأولياء اليهود، والتبرك بهم وحضور مواسمهم السنوية (الهيلولا).

وأنا إذ أخص يهود مسقط رأسي، آسفي بهذه المحاولة، فإني أحب أن يكون لتاريخهم مكان بين أبحاثي، التي تسعى إلى استكشاف درر تاريخ هذه الحاضرة العريقة المصونة، التي كانت أرضا هنية للتساكن  والتعايش والتسامح والتكاثف بين المسلمين واليهود المغاربة، ويعلم الله وحده ما بذلته من وقت وجهد لتجميع مادته التاريخية، وتمنيت أن أنجز أكثر مما أنجزت، ولكني لم أفلح، لأن الأمر يحتاج إلى أسفار لا أقدر على توفير مصاريفها(5)، فأحببت نشر هذا البحث على قلة دراساته وصفحاته، قبل أن يضيع مني، راجيا أن يكون حافزا لغيري من الباحثين على مزيد من التنقيب والبحث الموسع ، والله أسأل النفع فيما قدمت، وهو أعلم بما تخفيه النفوس والسرائر.

ثـانـيــــــا و في الفصل الذي اختار له عنوان "الحضور اليهودي بآسفي بين الماضي والأمس القريب يقول الأستاذ الباحث : كانت مدينة آسفي وعلى كر العصور والدول، تحتضن ساكنة يهودية مهمة، تميزت بكبر عددها، وقوة فعل تأثيرها في حياة المدينة بمختلف جوانبها ، وباستقراء مكنون أسماء العائلات اليهودية المتأخرة بآسفي، يمكن إجلاء وكشف بعض الحقائق عن الأصول البعيدة ليهود هذه المدينة (1)، ومنها :

1-أن قسما من يهود آسفي، كانوا من الأمازيغ الأقحاح لحملهم أسماء أمازيغية ، مثل ملو ووزانا وويزمان وأمزلاغ وأزنكود وخنافو(2)، لاشك أن قسما منهم كانوا من أهالي المنطقة، من بربر المصامدة، والباقين وفدوا على آسفي من مناطق بربرية بعيدة ونائية، عبر عصور مختلفة، وقد كانوا منذ أحقاب مغرقة في القدم متمسكين بالديانة اليهودية، التي دخلت إلى المغرب في وقت مبكـر من ظهورهـا(3)، وأقبلت على اعتناقها عدة قبائل أمازيغية، لوجود ميل فيها إلى الأخذ بالوحدانية في المعتقد(4).

2- أن قسما آخر من يهود آسفي، تشي أسماؤهم بأنهم جاءوا إلى آسفي من مناطق قصية، كأفلو نسبة إلى تافيلالت، والدرعي نسبة إلى بلاد درعة، وابن السوسي نسبة إلى بلاد سوس(5)، وبلفاسي نسبة إلى فاس (6)؛ ومثل هذه الهجرات البعيدة كانت من العوائد المعروفة عند يهود المغرب، وذلك في كل العصور، فقد كانوا يجوبون المغرب من أقصاه إلى أقصاه، وحتى في الأوقات العصيبة ، التي يختفي فيها الأمن والاستقرار،أثناء تغيير السلطة أو الحروب الأهلية "(7).

3- أن قسما ثالثا من يهود آسفي كان يحمل أسماء إيبيرية، تنسب بكيفية صريحة إلى مواقع توجد بإسبانيا والبرتغال، أو تنحـدر

مباشرة من اللغة الإسبانية أو اللغة البرتغالية، ومن ذلك أسماء كوركوس Corcos ومورسيانو Murciano (8) وكبايو Caballo وبميينتا Pimienta ومورنو Morenoوبارينيتي Pariente وكابسا Cabeza(9)، وقديدا وبينيتو وطابييرو(10)، وهذه الجماعة تنحدر من اليهود الذين طردوا من إيبيريا ، في نهاية القرن الخامس عشر(11)، ولئن كان عدد الوافدين منهم على آسفي محدودا، قياسا إلى الأعداد الكبيرة التي وفدت منهم على مدن الشمال المغربي (12)، فقدكانت لهم –على قلتهم – أفضال كثيرة ومحمودة في إغناء العقيدة والثقافة اليهودية بآسفي، وترقية عدد من حرف هذه المدينة، وتنشيط تجارتها الداخلية والخارجية ، مما جعلهم يتميزون ويجنون من نبوغهم الفكري والحرفي غنى ونفوذا ووجاهة وصيتا حسنا على الصعيد المحلي والوطني وحتى الخارجي ، امتد عبر الدول والعصور.

הירשם לבלוג באמצעות המייל

הזן את כתובת המייל שלך כדי להירשם לאתר ולקבל הודעות על פוסטים חדשים במייל.

הצטרפו ל 155 מנויים נוספים

ינואר 2013
א ב ג ד ה ו ש
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  
רשימת הנושאים באתר